الشيخ الطبرسي

123

تفسير جوامع الجامع

( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ ) المعنى : إنَّا أَوْحَيْنا إليكَ القُرآنُ مُصَدِّقاً لِمَا قَبلَهُ من الكُتُبِ مُوافِقاً لِمَا بَشَّرتْ به تلكَ الكُتُبُ من حَالِهِ وحَالِ مَنْ أَتى بِهِ ، ثمَّ أَورَثْنَاهُ الَّذين اصطَفَيْنَا من عبادِنَا بَعدكَ وهُم عُلَمَاءُ الأُمَّةِ ، لِمَا وَرَدَ في الحَديثِ : " أَنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبياءِ " ( 1 ) ، والمَرويُّ عن البَّاقرِ والصَّادقِ ( عليهما السلام ) أَنَّهُما قَالاَ : " هِيَ لَنَا خَاصَّةً ، وإيَّانَا عَنَى " ( 2 ) . وهذا هو الصَحيحُ ؛ لأنَّ الوَصْفَ بالاصطِفَاءِ ألْيَقُ بِهِم ، إذْ هُم وَرَثَةُ الأَنْبياءِ ، وَقُدْوَةُ العُلَمَاءِ ، المُستَحْفِظُونَ للكتابِ ، العَارِفُونَ بحَقَائِقِهِ . ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) وعن ابنِ عباس والحَسَنِ : أن الضَّميرَ للعِبَادِ ( 3 ) ، واختارَهُ المرتَضَى قُدِّس روحُهُ قَالَ : عَلَّلَ تَعْليقَهُ سبحانَهُ ورَاثَةِ الكتابِ بالمُصْطَفينَ من عِبَادِهِ بأنَّ فيهِم مَنْ هو ظَالِمٌ لِنفْسِهِ ومَن هو ( مُقْتَصِدٌ ) ومَنْ هُوَ ( سَابِقٌ بِالْخَيْرتِ ) ( 4 ) . وقيلَ : إنَّ الضَّميرَ للَّذينَ اصطَفَاهُم الله ( 5 ) . ورُويَ عن الصَّادقِ ( عليه السلام ) أنَّه قَالَ : " الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ منَّا : مَنْ لا يَعْرِفُ حَقَّ الإِمامِ ، والمقْتَصِدُ منَّا : العَارِفُ بحقِّ الإِمامِ ، والسَّابقُ بِالخَيْراتِ : هو الإِمام " ( 6 ) . وكُلُّهُم مَغْفُورٌ لَهُم ، وذلكَ لاصطِفَاءِ وإيْراثِ الكِتَابِ ، أو : ذلكَ السَّبْقُ بالخَيْراتِ هو ( الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) . ( جَنَّتُ عَدْن ) بَدَلٌ من ( الفَضْلِ الْكَبِير ) الَّذي هو السَّبْقُ بالخَيْراتِ ، لأنَّهُ لمَّا كانَ السَبَبُ في نَيل الثَّوابِ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ المُسَبِّبِ ، كأنَّهُ هو الثَّوابُ ، فأُبْدِلَتْ عَنْهُ

--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه : ج 5 ص 49 ذ ح 2682 ، والدارمي أيضاً في سننه : ج 1 ص 98 كلاهما عن أبي الدرداء . ( 2 ) المناقب لابن شهرآشوب : ج 4 ص 130 . ( 3 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 223 ، تفسير القرطبي : ج 14 ص 346 . ( 4 ) رسائل الشريف المرتضى ( المجموعة الثالثة ) : ص 102 . ( 5 ) حكاه الماوردي في تفسيره : ج 4 ص 473 . ( 6 ) رواه الصدوق في معاني الأخبار : 104 .